كوركيس عواد
223
الذخائر الشرقية
ويبدو لنا واضحا أن ابن خرداذبة لم يؤلف هذا الكتاب إلا بطلب من شخص كبير لم يصرح باسمه ولعله أحد الأمراء . قال في أول كتابه ، وفيه ما يوضح غرضه من هذا السفر ما إليك نصه بالحرف الواحد « 1 » : « أطال اللّه تعالى بقاءك يا ابن السادة الأخيار والأئمة الأبرار منار الدين وخيرة اللّه من الخلق أجمعين ، وأدام اللّه لك السعادة ، وكثّر لك الزيادة من جميع الخيرات ، ووفقك لسبيل الصالحات ، وجعلك ممن ارتضى أفعاله وزين أحواله . فهمت الذي سألت ، أفهمك اللّه جميع الخيرات وأسعدك إلى الممات ، وأفلح في الدارين سهمك ، ووفر فيهما قسمك ، من رسم إيضاح مسالك الأرض وممالكها ، وصفتها وبعدها وقربها وعامرها وغامرها ، والمسير بين ذلك منها من مفاوزها وأقاصيها ورسوم طرقها وطسوقها « 2 » على ما رسمه المتقدمون منها . فوجدت « بطلميوس » قد أبان الحدود وأوضح الحجة في صفتها بلغة أعجمية ، فنقلتها عن لغته باللغة الصحيحة لتقف عليها ، وقد رسمت ، رسم لك فوز الحق في جميع مأمولك ومطالبك ، ما رجوت أن يكون محيطا بمطلوبك وآتيا على إرادتك كالمشاهد لما نأى والخبر بما قرب ، وصنعته كتابا افتتحته بالحمد للّه ذي العزة المنيعة والنعمة السابغة ، الذي أنشأ الخلق على ما أراد ، وبين سبيل الحق للعباد ، لم تشركه في خلقه الآراء المتوهمة ولا ظنون الرؤيات ، تعالى اللّه عما يشركون ، وصلّى اللّه على محمد نبيه ، وعلى الأخيار من عترته وسلم كثيرا » اه . والمعروف في وقتنا أن لهذا الكتاب ثلاث نسخ خطية ، اثنتين منهما في خزانة اكسفرد وفيهما خروم . وكان المستشرق باربييه دي مينار Barbier de Meynard أول من نشر هذا الكتاب ونقله إلى الفرنسية ( المجلة الآسيوية الفرنسية ، السلسلة 6 ، المجلد 5 ، سنة 1865 ، ص 227 وما بعدها ثم عني بتجديد طبعه العلامة دي غويه De Goeje فنشره مترجما إلى الفرنسية أيضا ( الخزانة الجغرافية العربية ، ج 6 ، ليدن 1889 في 183 صفحة للمتن ، و 144 للترجمة . ويليه في المجلد نفسه نبذ من « كتاب الخراج وصنعة الكتابة » لقدامة بن
--> ( 1 ) كتاب المسالك والممالك ( ص 3 ) . ( 2 ) الطسوق ، واحدها الطسق ( بالفتح فالسكون ) ، ما يوضع من الخراج المقرر على الجريان ( جمع الجريب ، وهو على ما في التاج 1 : 179 ثلاثة آلاف وستمائة ذراع ) . أو هو شبه ضريبة معلومة ، والكلمة من الدخيل ( انظر تاج العروس 6 : 423 ) .